حياتنا على حافة الهاوية
الزراعة وندرة المياه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
Hexilia team ·
البلدان التي تعاني ندرة المياه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
لا نستخدم الماء للشرب والاستحمام وغسل الملابس فحسب، بل نستخدمه أيضًا في المنتجات التي نستهلكها. يحتاج الشخص في المتوسط إلى 5 لترات من الماء للشرب يوميًا ليعيش في مناخ معتدل مع نشاط قليل. تستهلك الأسرة الأفريقية المتوسطة 47 لترًا للفرد، مقابل 95 لترًا للفرد في آسيا، و334 لترًا للفرد يوميًا في المملكة المتحدة، و578 لترًا للفرد يوميًا في الولايات المتحدة؛ فأفريقيا هي الأقرب إلى الهاوية. شهدت أفريقيا والشرق الأوسط في الآونة الأخيرة مخاوف بيئية كثيرة، أبرزها بلا شك نقص المياه؛ إذ تزداد الموارد المائية شحًّا، لا سيما لملايين الأشخاص الذين يفتقرون أصلًا إلى المياه الصالحة. وبعد أفريقيا جنوب الصحراء، التي تضم أكبر عدد من البلدان التي تعاني الإجهاد المائي على وجه الأرض، تأتي البلدان الخمسة الأكثر تهديدًا بنقص المياه:
- ليبيا: لم تكن الموارد المائية المحلية في ليبيا موثوقة يومًا. والأهم من ذلك أن البلاد تمر بفترات متكررة وقاسية من نقص الوقود والغذاء والماء.
- الصحراء الغربية: وهي ما يُعرف بـ«إقليم الصحراء الغربية المتنازع عليه». يضم الإقليم في الواقع آلاف اللاجئين الصحراويين الذين يعانون نقصًا دائمًا في الغذاء والماء، بسبب صراع دام عقودًا على السيطرة بين المغرب والجماعة القبلية الصحراوية المعروفة بجبهة البوليساريو.
- اليمن: لا يملك البلد إلا القليل من المياه العذبة الطبيعية، ويعتمد بشدة على المياه من مصادر أخرى. ويتوقع بعض الخبراء أن تكون العاصمة صنعاء أول مدينة كبرى في العالم تنفد مياهها.
- جيبوتي: مناخها جاف وعرضة للجفاف، ولا تساعد البنية التحتية الضعيفة في ذلك، فكثيرًا ما يبقى ملايين الأشخاص دون وصول موثوق إلى المياه العذبة.
- الأردن: يقع الأردن في موقع غير مواتٍ إطلاقًا، في شرق أوسط جاف ومنقسم سياسيًا، دون أن تتوفر له الموارد الطبيعية الثمينة، وعلى رأسها الماء، وهي المشكلة الرئيسية أيضًا لجيرانه الذين يفتقرون إلى المياه. وإلى جانب تجاورها الجغرافي، تشترك هذه البلدان جميعًا في شح الموارد المائية وسوء إدارة المياه.
ما أسباب ندرة المياه؟
تغيّر المناخ تتعدد العوامل المسببة لندرة المياه، وقد كانت مؤخرًا موضوع دراسات كثيرة. يأتي في مقدمتها تغيّر المناخ. إذ تتوقع الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ (IPCC) أن تكون معظم بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA) من أشد مناطق العالم تضررًا من تغيّر المناخ في السنوات القليلة المقبلة، خاصة بسبب ارتفاع الحرارة وازدياد الجفاف.
النمو السكاني خلال الخمسين عامًا الماضية تضاعف عدد سكان العالم أكثر من مرة، بينما تضاعف عدد سكان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكثر من مرة بين عامي 1970 و2001، من 173 مليون نسمة إلى 386 مليون نسمة. ومع نمو السكان يزداد الطلب على المياه؛ وقد أسهم النمو السكاني في هذه المنطقة وحده في خفض متوسط كمية المياه العذبة المتاحة للفرد بأكثر من النصف. وصاحب ذلك نمو في التصنيع والتنمية الاقتصادية زاد بدوره من استهلاك المياه وأدى إلى تحوّل النظم البيئية المائية وخسارة هائلة في التنوع البيولوجي. ويعيش حاليًا أكثر من 41% من سكان العالم في أحواض أنهار تعاني الإجهاد المائي. كما يعني تزايد السكان حاجة أكبر إلى المسكن والغذاء والملبس، ما يضع ضغطًا إضافيًا على موارد المياه لإنتاج السلع الغذائية والطاقة. ويحدث أسرع نمو سكاني في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي الأقل تجهيزًا اقتصاديًا وتقنيًا لمواجهة تحديات ندرة المياه. ويسهم تغيّر المناخ، إلى جانب سوء إدارة المياه والإفراط في استهلاكها، في ندرة المياه في أنحاء كثيرة من العالم. لا تترك الماء يجري في الحوض، فحياتنا على حافة الهاوية.
الزراعة
يُخلّ تغيّر المناخ بأنماط الطقس، فيؤدي إلى ظواهر جوية قاسية، ويجعل توفر المياه غير متوقع، ويفاقم ندرتها، ويلوّث مصادرها. ويمكن لهذه الآثار أن تؤثر تأثيرًا كبيرًا في كمية المياه ونوعيتها التي تحتاجها الزراعة لتستمر. ولأن ندرة المياه تمس الزراعة بشدة، فإن أثرها على إنتاج الغذاء هائل. فبلا ماء لا يملك المزارعون وسيلة لري محاصيلهم، ومن ثمّ لتوفير الغذاء لسكان يتزايدون بسرعة.
الزراعة، التي تمثل نحو 70% من عمليات سحب المياه في العالم، تتنافس باستمرار مع الاستخدامات المنزلية والصناعية والبيئية على موارد مائية شحيحة. - المعهد الدولي لإدارة المياه
الزراعة نشاط شديد العطش. فالسحب الواسع للمياه من الأنهار والبحيرات وطبقات المياه الجوفية لأغراض الزراعة يحدّ من الإمدادات المتاحة للاحتياجات البشرية الأخرى، كالشرب والغسل والطهي والصرف الصحي. ووفقًا لتقرير الأمم المتحدة العالمي عن تنمية الموارد المائية، سينخفض متوسط إمدادات المياه للفرد بمقدار الثلث خلال العقدين المقبلين. وتبقى الزراعة أكبر مستخدم للمياه؛ ولهذا فإن الماء الذي يستهلكه الإنسان يوميًا في المنتجات الغذائية يفوق بكثير حجم الماء الذي يشربه. فمن بين كل المياه العذبة المسحوبة للاستخدام البشري، تمثل الاستخدامات الصناعية والمنزلية 20% و10% على التوالي، بينما تستهلك الزراعة في المتوسط نحو 70%، وأكثر من ذلك بكثير في بعض المناطق. وعلاوة على ذلك، يُتوقع أن يرتفع المتوسط العالمي للمياه المسحوبة للري الزراعي بنحو 14% بحلول عام 2030.
رُبّ ضارة نافعة: كيف تسهم الزراعة في المخاطر المرتبطة بالمياه وكيف تعالجها؟
بقدر ما تتأثر الزراعة بندرة المياه، فهي تسهم أيضًا في المشكلة بوصفها مستخدمًا رئيسيًا للموارد المائية وملوثًا لها في مناطق كثيرة. ولذلك فإن للزراعة دورًا محوريًا في مواجهة هذه التحديات. تأتي الضغوط الزراعية على جودة المياه من نظم زراعة المحاصيل وتربية المواشي وتربية الأحياء المائية، التي توسعت جميعها وتكثّفت لتلبية الطلب المتزايد على الغذاء المرتبط بالنمو السكاني وتغيّر الأنماط الغذائية. وبالأرقام المطلقة، أسهمت إزالة الأراضي والتوسع الزراعي في رفع أحمال الملوثات في المياه، لكن الأثر الأكبر يعود على الأرجح إلى أنماط غير مستدامة من التكثيف الزراعي. فقد أدى الإفراط في استخدام الكيماويات الزراعية والمياه والأعلاف والأدوية المخصصة لزيادة الإنتاجية وسوء استخدامها إلى ارتفاع أحمال التلوث في البيئة، بما في ذلك الأنهار والبحيرات وطبقات المياه الجوفية والمياه الساحلية. ويمكن للمسارات غير المستدامة الكثيرة التي تسلكها النظم الزراعية الغذائية، كإنتاج المحاصيل والثروة الحيوانية وتربية الأحياء المائية، أن تكون من أبرز أسباب تدهور جودة المياه. والتحديات المقبلة معقدة للغاية ومتنوعة عالميًا. وسيكون من المهم أن يركز المزارعون جهودهم على رفع الكفاءة الكلية لاستخدام المياه في القطاع الزراعي، والحد من أثر القطاع على موارد المياه العذبة، وتعزيز قدرته على الصمود أمام المخاطر المائية. ولهذه الغاية، يدعو قطاع التكنولوجيا الزراعية إلى حلول متعددة، لا لمواجهة ندرة المياه فحسب، بل أيضًا لطيف واسع من المشكلات والمخاطر المحتملة الأخرى. وفي مواجهة التحديات المرتبطة بتغيّر المناخ، يمكن للتدخلات في القطاعات الزراعية الوطنية لبلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن تعوّض طيفًا واسعًا من الآثار السلبية على المنطقة.
ما ندرة المياه؟
تتعلق ندرة المياه باحتياجات السكان من المياه في منطقة معينة مقارنةً بالكمية السنوية المتاحة من المياه النظيفة والآمنة في تلك المنطقة. واليوم تتأثر بها كل القارات تقريبًا، ويواجهها نحو 2.8 مليار شخص حول العالم شهرًا واحدًا على الأقل في السنة. ويفتقر أكثر من مليار شخص إلى مياه شرب نظيفة وآمنة. ومع ذلك نعتبرها أمرًا مسلّمًا به، فنهدرها، بل وندفع ثمنًا باهظًا لنشربها من زجاجات بلاستيكية صغيرة. وأصبحت ندرة المياه من أكبر تحديات عصرنا، وإن لم نغيّر عاداتنا في استهلاك المياه فقد تزداد بنسبة تصل إلى 50% بحلول عام 2030. يؤدي الماء أدوارًا مهمة كثيرة في حياتنا، بدءًا من أن نحو 60% من أجسامنا مكوّن من الماء، وصولًا إلى كونه أساسيًا للإنتاج الزراعي والأمن الغذائي. الماء شريان الحياة لكل النظم البيئية التي تعتمد عليها حياتنا. ومع ذلك تتناقص موارد المياه العذبة في العالم كله، ولا سيما في أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بمعدل مقلق. ومواجهة نقص المياه اليوم من أبرز تحديات التنمية المستدامة، وسيزداد هذا التحدي صعوبة مع استمرار نمو الطلب العالمي على المياه. فالماء الذي نستهلكه يوميًا عبر الغذاء الذي نأكله يفوق بكثير ما نشربه. هل تعلم أننا نستخدم يوميًا 10 مليارات طن من المياه العذبة حول العالم؟ لذلك تحذّر منظمات اجتماعية وبيئية كثيرة وناشطون بيئيون من تناقص إمداداتنا المائية، لكن قلة قليلة تأخذ ذلك على محمل الجد. فمعظم الناس لا يكترثون كثيرًا لنقص المياه لأن الماء يغطي 75% من كوكبنا، ولهذا يُسمّى الكوكب الأزرق. لكنهم يغفلون أن 97.5% من هذه المياه مالحة، وأن لدينا 2.5% فقط من المياه العذبة للشرب. وتشير الأدلة إلى أن ثلثي سكان العالم قد يعيشون في بلدان تعاني الإجهاد المائي بحلول عام 2030 إذا استمرت أنماط الاستهلاك الحالية. ولتجنّب عالم جائع بحلول ذلك العام، علينا أن نتحرك الآن، ونعني بالتحرك تحقيق الأمن الغذائي وتحسين التغذية، ولا سيما بتعزيز الزراعة المستدامة.